ابن كثير

201

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

العبادة ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا أي أنت من بيت طيب طاهر معروف بالصلاح والعبادة والزهادة ، فكيف صدر هذا منك ؟ قال علي بن أبي طلحة والسدي : قيل لها : يا أُخْتَ هارُونَ أي أخي موسى ، وكانت من نسله كما يقال للتميمي : يا أخا تميم ، وللمضري يا أخا مضر « 1 » ، وقيل : نسبت إلى رجل صالح كان فيهم اسمه هارون ، فكانت تقاس به في الزهادة والعبادة ، وحكى ابن جرير عن بعضهم أنهم شبهوها برجل فاجر كان فيهم يقال له هارون « 2 » . ورواه ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ، وأغرب من هذا كله ما رواه ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسين الهسنجاني ، حدثنا ابن أبي مريم ، حدثنا المفضل بن فضالة ، حدثنا أبو صخر عن القرظي في قوله اللّه عز وجل : يا أُخْتَ هارُونَ قال : هي أخت هارون لأبيه وأمه ، وهي أخت موسى أخي هارون التي قصت أثر موسى فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [ القصص : 11 ] وهذا القول خطأ محض ، فإن اللّه تعالى قد ذكر في كتابه أنه قفى بعيسى بعد الرسل ، فدل على أنه آخر الأنبياء بعثا ، وليس بعده إلا محمد صلوات اللّه وسلامه عليهما ، ولهذا ثبت في صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي اللّه عنه عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « أنا أولى الناس بابن مريم إلا أنه ليس بيني وبينه نبي » ولو كان الأمر كما زعم محمد بن كعب القرظي ، لم يكن متأخرا عن الرسل سوى محمد ، ولكان قبل سليمان وداود ، فإن اللّه قد ذكر أن داود بعد موسى عليهما السلام في قوله تعالى : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكاً نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [ البقرة : 246 ] وذكر القصة إلى أن قال : وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ [ البقرة : 251 ] الآية ، والذي جرأ القرظي على هذه المقالة ما في التوراة بعد خروج موسى وبني إسرائيل من البحر وإغراق فرعون وقومه . قال : وكانت مريم بنت عمران أخت موسى وهارون النبيين تضرب بالدف هي والنساء معها يسبحن اللّه ويشكرنه على ما أنعم به على بني إسرائيل ، فاعتقد القرظي أن هذه هي أم عيسى وهذه هفوة وغلطة شديدة ، بل هي باسم هذه ، وقد كانوا يسمون بأسماء أنبيائهم وصالحيهم ، كما قال الإمام أحمد « 3 » : حدثنا عبد اللّه بن إدريس ، سمعت أبي يذكره عن سماك عن علقمة بن وائل عن المغيرة بن شعبة قال : بعثني رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إلى نجران فقالوا : أرأيت ما تقرؤون يا أُخْتَ هارُونَ وموسى قبل عيسى بكذا وكذا ؟ قال : فرجعت فذكرت ذلك لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فقال : « ألا أخبرتهم أنهم كانوا يتسمون بالأنبياء والصالحين قبلهم » « 4 » انفرد بإخراجه مسلم

--> ( 1 ) انظر تفسير الطبري 8 / 336 . ( 2 ) تفسير الطبري 8 / 336 . ( 3 ) المسند 4 / 252 . ( 4 ) أخرجه بلفظ « يسمّون » بدل « يتسمون » ، مسلم في الأدب حديث 9 ، والترمذي في تفسير سورة 19 ، باب 1 .